انت غير مسجل لدينا حاليا للاشتراك اضغط هنا ! اسم المستخدم :

كلمة المرور :

دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية
الموضوع حاصل على تقييم : 0 نجوم طباعة ارسل لصديق
دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية  
بتاريخ : الثلاثاء, 11/12/2012 الساعة 10:59 صباحا
الحنيف
عضو
الدولة : أرض الله
المشاركات : 2695
دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية
                                                                      

  ظل حقل المقارنة بين الخبرتين الإيرانية والتركية مثيراً على مدار عقود من الزمن خاصة وأن تجربة التحديث في البلدين عرفت تقاطعات ونقاط تشابه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين مع مساحات فراق وإختلاف بقيت تميز بينهما، لهذه الأسباب تصلح الخبرتين للمقارنة من زاوية جوانب التشابه، فضلاً عن زاوية جوانب الإختلاف والتباين. وحقل المقارنة لا يعني بالضرورة كما يتصور البعض المقارنة بين نماذج متشابهة، بقدر ما ان الاقتراب من نماذج عرفت تباينات في خبرتها السياسية والاقتصادية يظل ثرياً وعلى قدر كبير من الاهمية خاصة إذا كان فضاءً ثقافياً مشتركاً كمافي الحالتين الإيرانية والتركية.
  وقد أخذ التباين بين التجربتين صوراً كثيرة، فمن جهة عرفت التجربة التركية تحولات هامة في خبرة نظامها الجمهوري واعادة تعريف لبعض أسسه دون قطيعة، وحتى في مراحل الإنقلابات التركية، فقد ظلت تدور ضمن فلك النظام الجمهوري العلماني، بل إدعت انها قامت من اجل الحفاظ عليه، على عكس التجربة الإيرانية في ظل حكم الأسرة البهلوية (1921-1979) التي هيمنت بشكل مطلق على الحياة السياسية بكل أبعادها والتي سبقها مخاض كبير حول الدستور عرف بثورة “المشروطة” في عهد الحكم القاجاري (1905) واليوم يبدو الفارق كبيراً بين الخبرتين، بين نظام ولاية الفقيه والتجربة التركية الإسلامية المعلمنة. والحقيقة أن تحولات التجربة التركية جاءت في سياق من الاستمرارية، وليس على أرضية القطيعة، مما ساعد طرفي المعادلة السياسية القائمة في المجتمع التركي، أي المؤسسة العسكرية ومعها التيارات العلمانية الاتاتوكية من جانب، والتنظيمات الإسلامية من جانب آخر، على التطور والتفاعل والمراجعة عبر رحلة تراكمية هامة، أدت في النهاية إلى أن يصل الإسلاميون الذين حاربهم مصطفى أتاتورك وحزبه إلى الحكم، بحيث أصبح هناك في نهاية الألفية الثانية تيار إسلامي ديموقراطي فاعل بقيادة نجم الدين أربكان، ومع بداية الألفية الثالثة إستأنف رحلة التغيير تيار آخر ذو أصول إسلامية يقوده الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.
  ومن المؤكد في هذا المجال إن تقدم النظام في تركيا نحو الديموقراطية قد دفع التيار الإسلامي فيها إلى أن يتقدم نحو نفس المسار، ليس فقط في إتجاه إحترام الآليات الديموقراطية، وإنما أيضاً في اتجاه احترام الديموقراطية وتبني المعايير الاوروبية في بناء المجتمع التركي سياسياً وإقتصادياً، على عكس التجربة الايرانية في هذا المجال، فالافكار التحررية الداعية إلى تأسيس الدستور، والتي أدت إلى قيام ثورة المشروطة (1905) قادها رجال الدين الذين ما لبثوا ان انقسموا بعد المصادقة عليه، الأمر الذي سهل مهمة الشاه محمد علي نجل الشاه مظفر مهمة الانتقام من أنصار الدستور، وحين انتهى الحكم القاجاري عام 1921 وبدأ حكم الأسرة البهلوية من خلال انقلاب رضا خان وبعده إبنه محمد رضا بهلوي الذي حكم إيران حتى نجاح الثورة الاسلامية في العام 1979، حدثت تطورات كثيرة على المستوى الداخلي، كان من الواضح فيه ان عامل الدين هو العامل البارز في رسم التوجهات الشعبية وتحديد آفاق المزاج الشعبي وتحريك قطاعاته، كما حدث في ثورة الدستور، لدخول المعترك السياسي. والملاحظ ان لحظة اصطدام الاسرة القاجارية مع المؤسسة الدينية كانت بداية التغيير، ألاّ ان هذا التغيير تم اجهاضه نتيجة إنقسام قادة الثورة من رجال الدين حينها، وكان حصاد هذا التغيير لصالح الاسرة البهلوية، التي لم تنجح بدورها في ترميم العلاقة مع المؤسسة الدينية في إيران، هذه المؤسسة القوية وذات الجذور في الوجدان الشعبي العام، فقد كانت الاحكام والقوانين التي سنها بهلوي والتي لاقت رفضاً قاطعاً من قبل تلك المؤسسة (السماح بخلع الحجاب، إنشاء المحاكم المدنية، الحد من صلاحيات علماء الدين..)، فضلاً عن النظام الحديدي الديكتاتوري المغلق امام قوى المجتمع الصاعدة، والذي فشل في إيجاد صيغ استيعابية لهذه القوى الناهضة، أدت الى قطيعة كاملة بين النظام الشاهنشاهي ومختلف قوى الحركة الإسلامية والمؤسسة الدينية فضلاً عن القوى السياسية الأخرى. قطيعة كاملة لم تكن تقبل وقائعها اي تجسير للفجوة بين أطرافها، ذلك أن طبيعة المؤسسة الحاكمة، وصلت إلى حالة من التفرد بعد انهاء ثورة الدكتور محمد مصدق عام 1953 قل نظيرها، ذلك انها لم تتقبل اي إصلاح حتى من داخل النظام. كان في هذه الحالة طريق الثورة هو السياق الذي يقود النظام خصومه اليه.
  من المؤكد في هذا المجال أن نجاح الثورة الإيرانية الذي جاء حاسماً، قد أدى إلى قيام أول جمهورية في تاريخ إيران بعد أن سادت الملكية طوال قرون مديدة، بل أدى إلى قيام أول جمهورية إسلامية شيعية أقامت حكماً إسلامياً صافياً وفق دستورتمت صياغته على يد كبار المراجع الدينية والخبراء القانونيين في إطار نظرية ولاية الفقيه، وكالعادة أدى نجاح الثورة إلى خروج شرائح وكوادر عديدة ساهمت في نجاحها من دائرة “الثورة” إلى دائرة خصومها تدريجياً، فلوحق أنصار مهدي بازكان، وتم تحجيم أنصار آية الله شريعتمداري، وأنصار علي شريعتي، وقضي على كافة فصائل اليسار الإيراني وتم إزاحتهم جانباً، ليتم توطيد الحكم على أساس جديد وفق منظومة ولاية الفقيه في ظل قطيعة شبه تامة مع الغرب وعلاقات ملتبسة مع الجيران العرب، هذه الإزاحات التحجميات تمت في ظل صياغة دستورية حاولت استيعاب حركية المجتمع الايراني النشط وقواه الاجتماعية والسياسية ولكن ضمن فضاء النظام وفلسفته الجديدة وليس خارج منطوقه او مؤسساته، ساعدت شخصية الإمام الخميني على توطيد أسس وركائز النظام السياسي، ولم يكن الامر سهلاً على خليفته إذ بدأ الأمر يتفلت وبدأت ركائز هذا النظام تهتز، وشهدت شوارع طهران إثر الانتخابات الأخيرة ما يثبت ان التجربة فيها تحتاج إلى مراجعة وان الاصلاح السياسي المنشود لم يعكس تطلعات الشعب الايراني، على الاقل في قطاعات واسعة منه.
  في المقابل نجحت التجربة التركية متمثلة في خبرة حزب العدالة والتنمية في إنجاز تحولات هامة، رغم ما أثير حول دور الجيش في فرض نظام علماني دفع الإسلاميين إلى إحترامها، الا أنه من المؤكد ان القسم الاكبر من التيار الاسلامي في تركيا قد تفاعل بإنفتاح شديد مع الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به، مما ساعده على التحول من الخطاب الاسلامي التقليدي، إلى خطاب إسلامي ديموقراطي، بل هو تجاوز الخطاب العلماني الأتاتوركي المدعوم من المؤسسة العسكرية، الذي اعتبر نفسه لفترات طويلة “حارساً” لقيم الغرب في المجتمع التركي المسلم، وأصبح هؤلاء الاسلاميين الديموقراطيين أكثر إخلاصاً في الانسجام مع المعايير الأوروبية في الديموقراطية وحقوق الإنسان واقتصاديات السوق، حتى يمكن لتركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية ان تندمج في تجربة الاتحاد الاوروبي. وأهمية ما حدث في السياق التركي تكمن دلالته في أن الخطاب الاسلامي ليس عصياً على التحول والتفاعل مع الواقع السياسي المحيط، وهو لم يكن مغلقاً على اي تطوير لاسباب معرفية تتعلق ببنيته العقائدية بما يجعله نسقاً جامداً منعزلاً عن البيئة والواقع الذي يعيش فيه. بل ان احد ابرز دلالات التجربة التركية، أنها أظهرت بداية أن الخطاب الإسلامي قادر على التكيف والتطور والتلاؤم مع مقتضيات الديموقراطية، بل ويمكنه ان يكون قوة دافعة نحوها ومساهماً في مسيرة العصر والانسانية، بصرف النظر عن طبيعة العوامل التي تقف وراء هذه التحولات، ومدى تقييم اي باحث لوزن كل عامل منها.
  التجربة التركية: رهانات الاصلاح التدريجي من داخل النظام
  يمكن القول إجمالاً ان تجربة الحركة الاسلامية السلمية في تركيا في الوصول الى السلطة كانت تجربة سياسية رغم الخلفية الدينية لقادة حزب الرفاه ثم حزب العدالة والتنمية، ذلك ان الترجمة الحركية لهذه الافكار كانت في الاساس ترجمة سياسية حديثة.
  عرف الاسلاميون في تركيا مرحلتين رئيسيتين: الاولى هي مرحلة ما قبل حزب الرفاه والتي بدأت بالتحالف مع الحزب الديموقراطي عام 1950 حيث نجحوا أيضاً في هزيمة الحزب الجمهوري الحاكم، ثم مرحلة تأسيس حزب سياسي آخر هو حزب السلامة الوطني في تركيا والذي يشابه في طروحاته وخطابه الخطاب السياسي للاخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي.
  والثانية هي مرحلة حزب الرفاه وتوابعه المختلفة والتي إنقسمت الى تيارين: الاول يمثل امتداداً لحزب الرفاه وعرف اولاً باسم حزب الفضيلة، الذي تم تجميده وحلّه وعاد مرة اخرى تحت اسم حزب السعادة، اما التيار الثاني وهو يمثل الانشقاق الاكبر عن حزب الرفاه ويمثله رجب طيب اردوغان، الذي نجح في الوصول إلى رئاسة الوزراء، بعد ان أسس حزب العدالة والتنمية وأصبح يمتلك الأغلبية المطلقة في البرلمان وفي البلديات ويضم التيار الأكبر من حزب الفضيلة.
  في الفترة الممتدة من عام 1923 الى العام 1946 حيث أقر مبدأ التعددية الحزبية، وفي اول انتخابات تالية على اقرار هذا القانون وهي انتخابات 1950 هزم الحزب الجمهوري وتقلد الحزب الديموقراطي الحكم المعارض للحزب الحاكم مدعوماً من الجماعات الاسلامية. وقد أدت التعديلات الدستورية عام 1960 بعدها الى احداث انفراج في الحريات المدنية، الأمر الذي منح الجماعات الاسلامية التركية آنذاك الشرعية القانونية اللازمة للعمل على الساحة السياسية. الا ان هذه الجماعات تأخرت في تأسيس اطارها السياسي الموّحد حتى قام نجم الدين اربكان بتأسيس حزب النظام الوطني عام 1970، وهو يعد أول حزب اسلامي في تاريخ تركيا الحديث، على ان الانقلاب العسكري لعام 1971 سرعان ما اطاح بهذا الحزب على اساس مخالفته للقاعدة الدستورية بفصل الدين عن السياسة حيث فرّ اربكان الى سويسرا ليعود في عام 1972 ويقوم بتأسيس حزب السلامة الوطني، وقد نجح هذا الحزب في الحصول على 11,8 بالمئة من الاصوات في انتخابات 1973 معتمداً على تأييد قطاع يتكون من رجال الاعمال في المناطق الريفية وجماعتين دينيتين بلا تمثيل رسمي هما جماعة النقشبندية والنورسية، شارك الحزب بعدها في عدد من الائتلافات الحكومية مع الحزب الشعبي الجمهوري ثم في حكومة الجبهة الوطنية مع حزب العدالة وحزب الحركة الوطنية عام 1975. وقد تبنى الحزب مواقف أكثر راديكالية عن سابقه حزب النظام الوطني فيما يتعلق بشنه حملات علنية على الطابع العلماني للنظام التركي وعلى أتاتورك في حد ذاته، وقد اشترك الحزب في ثلاثة إئتلافات حكومية حتى تم إغلاق جميع الاحزاب السياسية أبان الانقلاب العسكري عام 1980.
  تميز حزب الرفاه عن سابقه حزب السلامة الوطني بعدد من الخصائص عكست قدرته على تطوير مؤسساته وخبراته التنظيمية والتعبوية في إدارة العمل السياسي، سواء كحزب معارض او كطرف في ائتلاف حاكم، فلم يقتصر بإستقطابه على التجار القرويين واعضاء الطرق الدينية وانما امتد ليشمل شرائح جديدة من الفئات المهمشة من التجار الصغار والموظفين والطلبة التي نقلتها سياسات الانفتاح لتورغوت اوزول من الريف إلى المدينة. مثلت الكثير من المواقف السياسية لحزب الرفاه امتداداً لكثير من المبادىء التي قام عليها حزب السلامة الوطني من حيث انتصار الدولة العلمانية وما تتبناه من سياسات نابعة من عقلية المحاكاة للغرب ذي الثقافة المتعارضة مع القيم التركية وموقفه برفض انضمام تركيا إلى المجموعة الاوروبية لتهديد ذلك لمصالح تركيا الحقيقية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والدعوة إلى إنضمام تركيا كدولة قائد إلى مجموعة اسلامية جديدة تضم بلدان العالم الاسلامي كافة في اطار منتظمة للتعاون الدفاعي وأخرى للتعاون الثقافي، وسوق اسلامية واحدة وعملة واحدة يتم تداولها في العالم الإسلامي[1].
  الا أن النجاحات المتتالية التي حققها الحزب بحصوله على نسبة متقدمة في الانتخابات البرلمانية وفي البلدية، ودخوله في إئتلافات حاكمة مع احزاب سياسية متنوعة في تركيا، وإدراك قيادات الحزب بشكل أكثر من ذي قبل بالواقع السياسي التركي ومتطلباته، هذا بالاضافة إلى اتساع وتنوع قاعدته الانتخابية، واحتوائه على كوادر قيادية تتوزع ما بين اتجاهات ليبرالية ومحافظة وراديكالية، كل هذه العناصر أدت إلى إضفاء طابع أكثر براغماتية ومرونة على مواقفه السياسية. كذلك ساهم هذا الامر في عدم تحول حزب الرفاه إلى حزب ديني صرف، وانما حرص على تأكيد التزامه بالمنظور القومي ونفي الصبغة الدينية البحتة التي حاولت الاوساط العلمانية ان تضفيها عليه. مع ذلك يمكن التأكيد ان تجربة حزب الرفاه قد تميزت عن تجارب معظم حركات الاسلام السياسي في العالمين العربي والاسلامي بتبنيها الكامل لقواعد الديموقراطية وقيم التنظيم الحزبي الذي يمارس العمل السياسي من اجل الوصول الى السلطة، لا دعوة الناس للالتزام بتعاليم الاسلام بمعزل عن السياسة، رغم حرصه كحزب على التمسك بثوابت عامة لما يمكن تسميته بخطاب حركات الاسلام السياسي المناقض لايديولوجيا الغرب الثقافية والسياسية وعلى التمسك بالنموذج البديل الاسلامي الحضاري.
  والواقع ان تجربة وصول حزب الرفاه الى الحكم متحالفاً مع حزب الطريق الصحيح مثل نقطة حاسمة في تاريخ النظام العلماني التركي، الا انه من المؤكد ان التغيرات التي احدثها الحزب في بنية هذا النظام لم تكن جذرية، الحقيقة ان الرفاه لم يختلف في توجهاته تجاه عدد من القضايا الجوهرية عن سابقيه من الاحزاب العلمانية الاخرى، كتسريح “المتطرفين الاسلاميين” من الجيش، والتعاون العسكري مع اسرائيل والقضية الكردية، فقد طبق الحزب قرارات مجلس الامن القومي بحذافيرها، كما انه لم يقم باتخاذ اي اجراء قد يمسّ مبادىء العلمانية اللهم الا محاولة الغاء قانون منع الحجاب للعاملات بالهيئات الحكومية، وحتى هذه القضية سرعان ما تراجع عنها. لقد كانت موجات العنف والفوضى الداخلية قبل انقلاب عام 1980، على الرغم من عدم تورط حزبي النظام الوطني والسلامة الوطني فيها بشكل مباشر، الا ان الغاء كل منهما على التوالي (الاول عام 1973) (والثاني عام 1980) يفسر اتصاف سياسة حزب الرفاه وقيادته بالحذر في اعلان مواقف اسلامية متشددة آزاء بعض القضايا لعدم استفزاز المؤسسة العسكرية، فلم يقم الحزب بانتقاد الدولة العلمانية القائمة او الفترة السابقة للتحول نحو التعددية الحزبية ولا سيما فترة أتاتورك[2]، كما ان العامل الخارجي بقي حاضراً بالقوة لجهة علاقات تركيا بحلف الاطلسي، والرغبة التركية بالانضمام الى الاتحاد الاوروبي، مما أثر على خطاب التيار الاسلامي وأدى الى اندماجه في منظومة القيم الديموقراطية الغربية تدريجياً.
  أدى صدور قرار من قبل المحكمة الدستورية بحظر حزب الرفاه عام 1998 الى قيام حزب الفضيلة الذي تأسس بتيارين رئيسيين تمثل الاول بجيل من الشباب الاصلاحيين بقيادة أردوغان والثاني الذي يتسم بقدر أكبر من المحافظة ويدين بالولاء المطلق لنجم الدين اربكان. وقد أتت استقالة اربع قيادات حزبية اصلاحية، منها عبد الله غول عام 1999 كأحد المؤشرات على ازدياد حدة الاحتدام بين التيارين، وقد جاء هذا التحرك بعد قيام المحكمة العليا بفتح ملف الانتخابات البرلمانية عام 1999 بعرض حظر حزب الفضيلة على أساس قيامه بنشاطات معادية للعلمانية خلال الانتخابات وبوصفه وريثاً لحزب الرفاه المحظور كذلك كانت الخلافات في المقاربة السياسية بين القيادات المحافظة والقيادات الاصلاحية الشابة تتعمق الامر الذي أدى الى فقدان امكانية التعايش فيما بينهم، فأسس كل منهما حزبه وهكذا برز حزب العدالة والتنمية كتعبير عن الاتجاه الاصلاحي والقيادات الشابة عام 2001 عقب حظر حزب الفضيلة، في حين أسس الجيل القديم ما عرف باسم حزب السعادة الذي لم ينجح سوى في الحصول على حوالي 2,5 بالمئة من الاصوات التي تمثل الموالين للاتجاه الاسلامي الشبيه في توجهاته لخط أربكان إبان تزعمه لحزب الرفاه.
  اما حزب العدالة والتنمية فقد شهد صعوداً سريعاً أدى الى فوزه بـ 67 بالمئة من اصوات الناخبين في انتخابات عام 2002. لقد جاء حزب العدالة الى السلطة محمولاً على أكتاف ذات القوى الاجتماعية التي كان أردوغان قد نجح في تعبئتها ابان توليه لمنصب رئيس بلدية استامبول، وكذلك بوصفه احد القيادات الشابة البارزة سابقاً في حزبي الرفاه والفضيلة، وقد تمثلت هذه القوى بحوالي 21 بالمئة من أصل 34 بالمئة من الاصوات التي حصل عليها الحزب في قطاعات الشبان من الطبقات العاملة والمتوسطة التي تهدف الى تحقيق أكبر قدر من الحراك الاجتماعي من خلال تغيرات هيكلية في النظام وكذلك طبقة رجال الاعمال والصناعة ذات التوجه الاسلامي.
  والواقع انه سيكون من الخطأ اعادة نجاح حزب العدالة الى شخصية اردوغان القيادية وغيرها من العوامل الظرفية فحسب، فما جرى له علاقة بمجمل التحولات البنيوية والايديولوجية المتراكمة في الواقع التركي. لقد أدت المؤسسة العلمانية الحاكمة من خلال ايديولوجيتها وهيكليتها البنيوية الى حصول بعض التمييز السياسي والثقافي والاقتصادي، لذلك صوت الناخبين لصالح حزب العدالة لسببين: اولهما حل مشكلات الحقوق والحريات المتراكمة وثانيهما تحقيق التنمية الاقتصادية مع توزيع عادل للثروة. ومنذ ذلك الحين يعتمل في قلب السياسة التركية صراع بين محاولات الاصلاح التي يقودها حزب العدالة من ضمن النظام والحدود المرسومة له، وبين القوى البيروقراطية العسكرية والمدنية ضد اهداف هذا الحزب. والقاء نظرة فاحصة تبين ان المشهد التركي لا يزال يفيد ان الدولة وميولها العلمانية لا تزال تملك رسم الخطوط الحمراء، وان حزب العدالة اثبت حرصاً شديداً على عدم عبور هذه الخطوط، فهذا هو محصلة الدرس الذي تعلمته قيادة الحزب مستفيدة من تجارب الاحزاب الاسلامية السابقة التي تم حلها واحدة تلو الاخرى وملخصه: لا تستفز المؤسسة العسكرية وتجنب مصادمة المؤسسة العلمانية ما امكن.
  وقد كان ترشيح عبد الله غول الرجل الثاني في حزب العدالة لانتخابات مايو أيار 2007 الرئاسية ذروة التوتر بين المؤسسة العلمانية وحزب العدالة والتنمية التي وصلت الى حد نزول العلمانيين الى الشوارع حيث تجمع مئات الالآف منهم ليعبروا عن تخوفهم من صورة تركيا الحديثة يرأسها شخص بعادات اسلامية وزوجة ترتدي الحجاب يمكنها ان تكون السيدة الاولى في القصر الرئاسي مما يهدد هوية الدولة. نقضت المحكمة الدستورية رئاسة عبد الله الغول، وأجريت انتخابات جديدة في 22 تموز/ يوليو 2007 ارتفع في محصلتها الثانية حزب العدالة والتنمية من 34,2 الى46,5 في المئة في البرلمان الجديد وتم انتخاب عبد الله غول رئيساً جديداً لتركيا مع دعم حزب الحركة القومية.
  ومنذ ذلك الحين ثمة قضيتان فيما يتعلق بالعلمانية والمحكمة الدستورية المعنية بكل من هذه الحالات، اولهما الهيمنة على البرلمان للتصويت على اجراء التعديل الدستوري بخصوص حرية الحجاب في الجامعات، وثانيهما قرار المحكمة بشأن قضية اغلاق حزب العدالة والتنمية.
  بشأن القضية الأولى فإن التعديل الدستوري الذي أقر بأغلبية كبيرة في البرلمان بعد تأييد حزب العمل القومي الذي يمتلك 71 مقعداً، فإن هذا التعديل تم احالته الى المحكمة الدستورية من قبل حزب الشعب الجمهوري وتم نقضه. وكانت هذه موضوعاً في مارس/آذار 2008 للائحة الاتهام لرئيس الادعاء العام والتي طلب فيها من المحكمة الدستورية اغلاق حزب العدالة والتنمية كونه “مركز تنسيق للجهود الرامية الى تغيير الطابع العلماني للجمهورية”. وبعد خمسة أشهر اصدرت المحكمة قرارها الذي رفضت فيه اغلاق الحزب لكنها في الوقت نفسه وجهت اليه تحذيراً جدياً، وبذلك نجا حزب العدالة من المصير الذي واجههه العديد من الاحزاب السياسية بما فيها حزب الرفاه.
 لا شك أن حزب العدالة منذ تأسيسه وصعوده إلى السلطة نجا من الملاحقات القضائية التي يرفعها ضده العلمانيون، لكن يبدو انه فقد شيئاً من طاقته الاصلاحية، وقد ظهر ذلك جلياً في الانتخابات البلدية الأخيرة في 29 مارس/ آذار 2009 التي ركز فيها الحزب على تحذير الناخبين من كون البدائل الأخرى عن حزب العدالة ستجلب مستقبلاً سيئاً. لا يعد هذا فشلاً لحزب العدالة بقدر ما يعتبر نجاحاً للمؤسسة العلمانية التي استطاعت الحد من طموحات برنامج النخب الاسلامية في تركيا ومن سقف خطابها السياسي.
  يتميز خطاب حزب العدالة والتنمية بخصائص مختلفة عن الاحزاب الاسلامية السابقة، فهو بقدر ما يعتبر وريث شرعي للحالة السياسية الاسلامية، هو أيضاً يمثل قطيعة معهم من حيث المقاربة الأكثر واقعية وبراغماتية والهادفة إلى تحقيق وجود يتسم بالاستمرارية والثبات على الساحة السياسية، بغض النظر عما قد يعنيه ذلك من تخل عن مواقف كانت تعد غير قابلة للمساومة. لقد تمكن أردوغان إبان رئاسته لبلدية استامبول من تبيئة الخطاب الاسلامي وادماجه في السياق الاوسع للثقافة المحلية التركية، وقد ساعدت هذه الخبرة أردوغان في إعادة صياغة برنامج الحزب لاضفاء طابع محلي عليها بغرض حشد أكبر قدر من التأييد إلى جانب تلافي الحساسية المحتملة مع التيار العلماني والمؤسسة العسكرية. لذلك سعى دائماً الى إلباس المواقف الاسلامية حلّة قومية تركية من حيث الثقافة ومن حيث المصلحة السياسية على حد سواء، وهو ما يمكننا من تفسير سياسة الحزب المؤيدة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي والحريصة على الحفاظ على علاقات طيبة مع الولايات المتحدة دون التخلي عن علاقات تركيا التاريخية بالعالم العربي، بل والعمل على تطويرها ودعمها.
  وهذا ما جعلها تقارب موضوع العلمانية مقاربة جديدة، فتميز بين العلمانية التركية الكمالية Laicism والعلمانية الاوروبيةSecularism ، حيث الاولى تجعل الدين خاضعاً للدولة تتدخل فيه كيفما تشاء، فتبيح وتحظر المؤسسات القائمة عليه وتحدد مقرراته الدراسية، بينما الثانية تقيم فصلاً بين المجالين باعتبار ان المجال الأول يمثل مجالاً عاماً، والآخر يمثل مجالاً خاصاً يتعلق بعلاقة كل فرد أو جماعة بما يؤمن به، وهو مجال مستقل تماماً عن المجال العام ويتعين على الدولة ألا تتدخل فيه، وقد أعلن أردوغان ان الحزب “يفضل النظام العلماني الذي يمنح لكل فرد الحق في ممارسة نمط الحياة الذي يريده، سواء كان اسلامياً ام غير ذلك، عن الكمالية التي هي ديانة بحد ذاتها، ولا تقر العديد من الحريات الشخصية للافراد تحت لوائها، كحق المرأة في ارتداء الحجاب على سبيل المثال، وحول مسألة تبني الشريعة كنظام قانوني مأمول في تركيا اشار الى انه “غير مهتم باحداث اي تغيرات جذرية في القوانين التركية، وانما يسعى فقط الى التأكد من ان هذه القوانين يتم تطبيقها على النحو اللازم”. وانه يمكن النظر لنظام الشريعة بوصفه نمط حياة يتبعه كل فرد في حياته الخاصة او بكونه تعبيراً عن نظام اجتماعي عادل يعيش فيه الجميع في حالة من راحة البال والسكينة. وهو التعريف الذي يعكس اسم الحزب “العدالة والتنمية”.
  لذلك يصنف الحزب نفسه في برنامجه الانتخابي بانه حزب “ديمقراطي محافظ”، يطرح قضايا المحاسبة وحكم القانون والاصلاح الاقتصادي والانفتاح على السوق العالمي ويتبنى سياسات الخصخصة وتشجيع الاستثمار الاجنبي، وكل ما من شأنه تعزيز وضع الاقتصاد التركي كاقتصاد مندمج في النظام العالمي الجديد، بل ان اغلب المفردات التي استدعاها الحزب في خطابه عن ضرورة تعزيز الحياة الديموقراطية تقوم على احترام الحقوق والحريات الفردية، وتحث على المشاركة الشعبية، وهي بذلك تتفق مع المقاييس الدولية لقياس الديموقراطية، وهي مفردات غربية الطابع لا تحمل اي اشارة للخصوصية التركية وللأبعاد الثقافية الاسلامية الخاصة.
  من هنا لم يكن غريباً ان يصبح الحزب الجديد اكثر اوروبية واكثر تفاعلاً مع القيم الغربية في الديموقراطية واحترام حقوق الانسان، في المؤسسة العسكرية الكمالية التي يفترض انها حامية العلمانية التركية. ومن هنا حكمة تفضيل العلمانية بمعناها ومدلولها الاوروبي عن العلمانية الكمالية في خطاب حزب العدالة والتنمية. وهكذا بدت المؤسسة العلمانية التركية في وضع اكثر محافظة من نظيراتها ذات الاصول الاسلامية في الموقف من الانضمام للاتحاد الاوروبي الذي بدا حزب العدالة ساعياً بشكل جدي اليه، مختلفاً عن كل اسلافه، باستثناء حزب الفضيلة، كما في تبنيه الديموقراطية وقيم حقوق الانسان التي كثيراً ما اعتبرها الاسلاميون انها صناعة غربية. وهكذا بدا حزب العدالة اكثر انفتاحاً وليبرالية من التيار العلماني الكمالي، لكنه انفتاح يتميز بالقدرة على صياغة مساحة من “التفاعل النقدي” مع منظومة القيم الاوروبية يغيب فيها منطق القطيعة والعزلة كما كان يطرح اغلب الإسلاميين[3].
إيران: الثورة حين يتصارع أبنائها
 انتصرت الثورة الاسلامية عام 1979 بفعل حركة جماهرية هائلة ألهبت خيال الشعوب المتطلعة الى الحرية، وكان هذا حول قيادة الامام الخميني في الخارج وعدد من العلماء الذين تتلمذوا على يديه او قبلوا بقيادته في الداخل. إنخرط في هذه الثورة قوى سياسية منظمة وعريقة، وتيارات معارضة تاريخياً لحكم الشاه، وهي برغم تحفظها على بعض بنود الدستور وبعض السياسات الداخلية والخارجية إنخرطت في جسم الجديد وتحول بعضها تدريجياً الى معارضة غير جذرية، وأمكن لها بالتالي الحفاظ على وجود محدود، وما ان انتهت الحرب العراقية- الايرانية التي تطلبت خفض وتيرة الخلافات الداخلية حتى بدأت التشققات في الظهور في صفوف الطبقة السياسية الحاكمة، وكانت اولى تجلياتها اطاحة آية الله منتظري من موقعه كخليفة للامام الخميني في منصب الولي الفقيه او القائد الاعلى للجمهورية، وما لبث خلال السنوات التالية ان اتسع نطاق التشققات داخل النظام في كافة الاتجاهات.
  ولعله من الخطأ الفاضح تصور الانقسام السياسي الحالي وكأنه وليد هذه المرحلة تحديداً، بل ان المتتبع للحياة السياسية في إيران يعرف تماماً ان هذا الانقسام، كان موجوداً بتعبيرات وتجليات مختلفة منذ اللحظة الاولى لانتصار الثورة، ومحاولة قائدها ورمزها تأسيس مشروع الدولة الاسلامية الذي شكل دستورها اولى النماذج التي تبنت الاسلام ديناً ودولة وشريعة ومنهاجاً وحاولت ان تقدمه بلغة تنسجم مع العصر ودساتير العالم من جهة ومتطلبات الواقع من جهة اخرى. ولم يكن هذا سهلاً فقد وضع الدستور عام  1979، ثمّ ادخلت عليه تعديلات هامة وذات دلالة عام 1989.
  بعد الاستفتاء العام على نظام الحكم الذي سيعتمد في إيران، بدأ العمل على وضع دستور إسلامي للبلاد عام 1979، وهنا برزحينها خلاف بين الإمام الخميني وآية الله شريعتمداري، فالأول كان يريد إستفتاء شعبي على دستور إسلامي تم تحضير مسودته إستناداً إلى كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني، أما الثاني مؤيداً من بعض التيارات السياسية فكان رأيهم أن يعرض الدستور الجديد على جمعية تأسيسية منتخبة من كل فئات الشعب، وبعد المصادقة عليه لا مانع من عرضه على الإستفتاء الشعبي، وبعدها يصار إلى إجراء إنتخابات عامة لإستكمال بقية الأجهزة للدولة الجديدة [4]. وقد تقرر حينها كحل وسط إنتخاب جمعية من الخبراء على أن يكون أعضاء هذه الجمعية خمسة وسبعون وتتولى مهمة درس مسودة الدستور التي أعدها الإمام الخميني وفريقه، وإقرارها او إدخال التعديلات عليها قبل طرحها على الإستفتاء الشعبي العام. تم وضع بعض الشروط المتعلقة بمن يود الترشيح لجمعية الخبراء، وخصص مقاعد للاقليات، إلا أن الإجراءات هذه فضلاً عن تنظيم العملية الإنتخابية جوبهت بإعتراض آية الله شريعتمداري وأنصار الجبهة الوطنية الذين قاموا بسحب مرشحيهم. حقق أنصار الخميني فوزاً كبيراً وحصلت المعارضة على 13 مقعداً في المجلس، ويومها إرتفعت أصوات عن أعمال تزوير وضغوط وتزييف للنتائج [5] وهذا ما دفع شريعتمداري إلى تأكيد مطلبه بالعودة إلى دستور 1906 بعد إجراء تعديلات تتلائم مع الجمهورية الإسلامية وهو ما تم رفضه بطبيعة الحال. بدأ عمل الجمعية المنتخبة التي تحول أسمها إلى مجلس الخبراء لوضع الدستور في صياغته النهائية بعد ما كانت المسودة الأولية جاهزة، وهو الأمر الذي تم في شهر كانون الأول من العام نفسه (1979).
  وبعد عشرة أعوام على إقراره بيّنت التجربة عن ثغرات في التطبيق أوجبت إدخال تعديلات تتعلق بتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية التي كانت محدودة في ذلك الدستور، كذلك أوجدت التعديلات آلية لتسوية أي خلاف بين أجنحة السلطة وخاصة (البرلمان ومجلس صيانة الدستور)، وكذلك أدخلت تعديلات لشروط المرشد وصلاحياته إستعداداً لمرحلة ما بعد الخميني. والواقع أن هذه التعديلات برمتها كانت بإيعاز من الإمام الخميني الذي أوعز آنذاك إلى آية الله علي خامنئي- المرشد حالياً بضرورة إيجاد بعض التعديلات الدستورية وذلك تطويراً للإيجابيات التي كشفت عنها التجربة العملية للجمهورية الإسلامية وتصحيحاً للسلبيات التي عانتها [6]. والتقى ذلك الإيعاز مع الرسالة الموقعة من 170 نائباً في البرلمان والمرسلة إلى الإمام الخميني مطالبة إياه بضرورة إجراء تعديلات سريعة على الدستور [7]. وبالفعل شكلت لجنة لدراسة التعديلات وأنهت عملها أواخر تموز من العام 1989، وكان قد توفي الإمام الخميني، وتحت وطأة الوفاة جرى الإستفتاء على التعديلات التي نالت 97,3 بالمئة من التأييد.
  ما استطاع الإمام الخميني احتواءه من تناقضات وتيارات لم يكن بإمكان خليفته أن يفعله، وبعض القضايا التي استمر الجدل حولها تتعلق بمسألة ولاية الفقيه المطلقة، التي تعتبر احدى الأسس الدستورية للجمهورية وتقوم عليها بالتالي فلسفة الحكم برمتها. وقد جاءت المعارضة لولاية الفقيه من ناحيتين، واحدة محافظة وأخرى ليبرالية. بعض المحافظين المتدينين رأوا أن لا ولاية مطلقة في غيبة الإمام المهدي، وأن شرعية النظام الإسلامي لا تقوم إلا بظهوره، وان التسليم لنظام الجمهورية الإسلامية بالشرعية الإسلامية إنتقاص من الشرع نفسه. أما المعارضة الاصلاحية ذات النزعة الليبرالية فقالت أن مسودة الدستور التي وقع عليها الإمام الخميني لم تحتو المادة الخاصة بولاية الفقيه، وأن هذه المادة أضيفت بعد ذلك بضغط من مجموعة بهشتي النافذة في المجلس الذي انتخب لصياغة دستورالجمهورية، ويسعى هؤلاء لتخليص الجمهورية من سلطة ولاية الفقيه، وإقامة نظام ديموقراطي يحترم الإسلام ومؤسسة العلماء، وهو تصور أقرب إلى حركة المشروطية الدستورية مطلع القرن العشرين. مع ذلك فإن الجدل لم يقف عند حدود ولاية الفقيه، بل طال مسألة الحريات العامة والشخصية، وحرية الصحافة السياسية، وسلطة الدولة ودورها في مجالات الإقتصاد والتنمية والتعليم والفنون والاعلام والسياسة الخارجية والعلاقة مع الغرب وتقريرالاولويات الإسلامية والقومية في علاقات إيران الخارجية ودورها الإقليمي.
  التطور الخطير الذي حدث هو إنتقال الإنقسام السياسي إلى صفوف الطبقة التي قادت الجمهورية بعد غياب الشخصيات الكبرى مثل مطهري ومهبشتي وعزل منتظري، وأبرز تجليات هذا الإنقسام كانت في الحملة الإنتخابية لمحمد خاتمي في أيار/ مايو 1997 عندما إجتمع عدد من القوى فيما أصبح يعرف بمعسكر الاصلاحيين الذي ضم مجموعات متنوعة ومتعددة المشارب من داخل النظام من بينها رموز كبيرة ومعروفة كحجة الإسلام كروبي رئيس البرلمان الأسبق ومير حسين موسوي ومحسن كديفر ومجتهد سبشتري وعزت الله سحابي فضلاً عن دعم هاشمي رفسنجاني وغيرهم. في مواجهة هذا الائتلاف الاصلاحي الكبير إجتمعت القوى المحافظة حول حجة الاسلام ناطق نوري وضمت مجموعة واسعة أيضاً من الشخصيات والتيارات فضلاً عن كبار ضباط الحرس الثوري السابقين الذين باتوا يمسكون بقطاع واسع من المؤسسات العامة ويرأسون بلديات ومحافظات هامة. أدت الخلافات الكبيرة التي نشبت بين معسكري السلطة إلى إضطراب كبير في آداء حكومة خاتمي الذي حقق فوزاًَ كبيراً ولافتاً، مما ولّد شعوراً بالخيبة في الشارع الإيراني، نجح فيه المحافظون في إعادة تنظيم صفوفهم وتحقيق عودة مظفرة إلى السلطة في إنتخابات 2002 المحلية، وبعدها بسنة حصدوا أكثرية في الانتخابات البرلمانية، توّجت في العام 2005 بوصول محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية.
  أظهر نجاد في حملته الانتخابية الأولى ضد رفسنجاني توجهاً نحو إطاحة الطبقة الحاكمة القديمة عندما أكثر من الحديث عن الفساد الذي تفشى في صفوف هذه الطبقة. ويمكن القول ان رئاسة نجاد الذي أعلن ولاءه المطلق للولي الفقيه، كرست قيادة المرشد آية الله خامنئي بلا منازع، بعد ان إتسمت السنوات الثماني الأولى من عهده بشراكة بينه وبين الرئيس رفسنجاني، والثماني التالية بتوتر متفاوت بينه وبين الرئيس خاتمي، التفاهمات الواضحة بين المرشد ورئيس الجمهورية داخلياً وخارجياً، أدت إلى تهميش متزايد للحرس القديم وعلى رأسه رفسنجاني، بل دفعت عدداً من الشخصيات المحافظة مثل رئيس بلدية طهران قاليبان ورئيس البرلمان الأسبق ناطق نوري ورئيس البرلمان لاريجاني إلى معارضة نجاد.
  لذلك كان ترشيح الاصلاحيين ميرحسين موسوي لخوض الإنتخابات ضد أحمدي نجاد في 2009 خطوة ذكية ومحسوبة، فموسوي معروف بتوجهاته الوسطية بين الاصلاحيين والمحافظين، وهم بترشيحهم له راهنوا على إنتزاع أصوات قطاع ملموس في المناطق والدوائر المحافظة. ثمة مؤشرات على ان تزييفاً وقع بالفعل في بعض الدوائر الانتخابية. ما هو تأثير هذا التزييف على مصير العملية الانتخابية ككل، وهل كان أحمدي نجاد بحاجة لهذه الأصوات؟ ثمة الكثير من الأسئلة تطرح في هذا المجال. إلا أن الأمر الذي لا جدال فيه ان إنفجار الشارع الإيراني والصدامات التي شهدتها شوارع طهران ليست مرتبطة بنتيجة الإنتخابات، بقدر ما هي مرتبطة بجذور الإنقسام السابقة في صفوف الطبقة الحاكمة والجديد فيها كان إنحياز رفسنجاني والكتلة التي إستشعرت التهميش خلال سنوات حكم نجاد والتي ظهرمعها وكأنها معركة مع المرشد خامنئي الذي لم يخف إنحيازه لنجاد.
  يمكن القول ان الصراع الحالي في إيران لم يعد اليوم صراع تكتلات داخل نظام الجمهورية الإسلامية، لكنه صراع إتجاهات يبرز فيها إتجاهان رئيسيان: الأول هو إتجاه إصلاحي تغييري يقوده المعتدلون داخل النظام، إنخرط في التيار الاصلاحي شرائح مهمة من التيار المحافظ، وهذا الإئتلاف يرى ضرورة إجراء تعديلات داخل النظام بما يجعله أكثر قدرة على التوافق مع التطورات التي تمر بها إيران داخلياً وخارجياً، ويدعو إلى تغليب المصلحة على الايديولوجيا، وهو يعتبر ان المرشد الأعلى ليس خليفة الله في الأرض ولا منزهاً، بل يمكن مراقبته ومحاسبته من خلال الدستور. أما الاتجاه الثاني الذي يقوده الجناح الأصولي الذي ينتمي إليه أحمدي نجاد فيلتزم حرفياً بالثوابت التي كانت عليها الجمهورية ولا يرى اي ضرورة للتغيير.
  لقد أفرزت أزمة الانتخابات تحدياً صريحاً لمكانة المرشد الأعلى للجمهورية وإرادته، وهذا تطور جديد في النظام السياسي، وهو تطور واكبه خروج بعض آيات الله في حوزة قمم للتأكيد بأن ولاية الفقيه تسقط عن أي شخص منحاز يقف ضد إرادة الناس، بما يعني ان صدقية المرشد أصبحت مثاراً للتشكك وفقدت اليقينية التي كانت تتمتع بها. مع ذلك تبدو القيادة العليا في إيران انها حسمت موقفها من الازمة بإتجاه المواجهة وليس بإتجاه البحث عن حلول وسط، وبدأت في التحرك لتضييق الخناق على معارضيها. ورغم هذا لا تبدو الامور على ما يرام داخل معسكر المحافظين، فقد أثار قرار نجاد بتعيين اسفنديار رحيم مشائي نائباً اول له أزمة سياسية حادة بينهم، وهو الذي أخذ عليه تصريحه الشهير بأن إيران صديقة للشعبين الاسرائيلي والاميركي وإقامته حفلاً راقصاً لفتيات يرفعن المصحف خلال توليه منصب مساعد الرئيس لشؤون التراث والسياحة، وعلى خلفية هذا الاحتجاج على قرار نجاد أصدر المرشد خامنئي أوامره لنجاد بإقالة نائبه الأول الذي تأخر لمدة اسبوع قبل الاستجابة للطلب، وحاول الالتفاف على القرار بتعيين مشائي مديراً لمكتب الرئيس ونقل صلاحيات النائب الاول إليه، الأمر الذي أعطى إنطباعاً أن المرشد الأعلى للجمهورية أصبح أضعف الآن من أي وقت سابق.
    أبرزت الازمة الاخيرة أيضاً الدور المتناهي للقوى ذات الطبيعة العسكرية ولا سيما الحرس الثوري في حماية النظام والسلطة السياسية للمحافظين، وتشير المعطيات إلى ان حسم الانتخابات الحالية تم في ظل تحالف بين المحافظين والعسكر الذين اصبحوا شركاء أساسيين، وان تسليم السلطة للمدنيين في الظروف الراهنة لم يعد وارداً. يعزز هذا الرأي أن مؤسسات الدولة ومرافقها لم تعد بمنأى عن العسكرة، حيث اصبحت نسبة من يشغلونها من ذوي الخلفية العسكرية وتحديداً من قدماء الحرس الثوري ملفته للانتباه. فنسبة نواب البرلمان الحالي من ذوي الخلفية العسكرية على سبيل المثال تصل الى ما يزيد عن 60 بالمئة.
  ما يحدث ان دل على شىء فإنما يدل على عجز النظام ومؤسساته عن استيعاب مختلف التيارات المنخرطة في اطاره، وهو النظام الذي سبق وأبعد التيارات والقوى المخالفة في رؤيتها لطبيعة النظام ذاته، الخلافات الانقسامية داخل قوى النظام مرشحه للاستمرار ما لم يسعى أهل الجمهورية إلى توليد صيغة استيعابية حاضنة تعيد الجميع إلى حضن النظام بدلاً من الشارع.
  في الخلاصة المقارنة بين التجربتين غنية، يلخص الباحث الإيراني أصغر شيرازي أزمة النظام بقوله:
  إن أبرز التناقضات التي أثرت بشكل كبير على تطور الدولة منذ الثورة، وهي مرشحة في كل الأحوال للتفاقم، تتمثل في التناقض بين معطيات النظام غير الديموقراطية ومعطياته الديموقراطية في نفس الوقت، والناشئة أساساً من الصراع بين فكرتي السيادة المزدوجة التي يطرحها الدستور: سيادة الشعب من جهة وسيادة الفقهاء الإسلاميين من الجهة الأخرى، وهي سيادة يمارسها الفقهاء بوصفهم ممثلي الله [8]. في المقابل بقدر ما كان نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا وإستمراره في الحكم يرجع إلى تخليه عن الخطاب الايديولوجي الجامد dogmatique وتحوله إلى تيار واقعي pragmatique، وقيامه بمراجعات شاملة لأفكاره ونجاحه في تجاوز الصورة الأولى التي ظهر عليها أسلافه الإسلاميون في ظل الأتاتوركية العسكرية، كان أيضاً نجاح النظام السياسي العلماني التركي وإنفتاحه الديموقراطي الذي إستتبع بالضرورة تطور التيار الإسلامي وإنفتاحه لبناء آلية مؤسسية تضمن التفاعل الديموقراطي بين الجانبين بما يرسم الطريق نحو صناديق الإقتراع والبرلمان وليس نحو الشارع والفوضى والعنف. هذه الخبرة الهامة تحتاجها الحركة السياسية الإصلاحية في إيران ويحتاجها النظام الإسلامي وقواه المحافظة بشكل أعمق، وهذا لا يمكن بدون نظام تعددي قادر على تحويل الايديولوجيا من لغة مطلقات إلى منظومة قيم وأفكار وبرامج وآليات محاسبة وحريات لا تكتم أنفاس المؤمنين وإنما تساعدهم على حكم أنفسهم وتطوير واقعهم وصياغة برامجهم ومراجعتها بشكل مستمر. إن الحلول الإستبدادية وإن كانت مستورة أصبحت بالية، ونجاح أي نظام تقاس بقدرته على إدارة التوترات والتناقضات وإقامة قواعد المواطنة على أسس ديمقراطية وإصلاحية تضمن تداول السلطة في أجواء من الحريات التي يمكن فيها القيام بالمراجعة والمساءلة والنقد وكل أنواع المعارضة السلمية الديموقراطية.
 
د. عبد الغني عماد
استاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية
     وباحث في الدراسات الاسلامية
نشرت في مجلة الغدير اللبنانية  عدد ايار 2010

--------------------------------------------------------------------------------

[1]. جلال عبد الله، عوض؛ صناعة القرار في تركيا والعلاقات العربية التركية؛ بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية؛ 1998، ص106-107.

[2] . جلال عبد الله، عوض؛ المرجع السابق، ص110-111.

[3] . انظر: إسلاميون وديموقراطيون (تحرير عمر الشوبكي)، مقال جان ماركو “الإسلام السياسي وما بعد الإسلام السياسي في تركيا”؛ ص185؛ ودراسة عمر الشوبكي؛ ص140.

[4]  - طلال مجذوب: إيران من الثورة الدستورية حتى الثورة الإسلامية (1906-1979) ص 441.

[5]  - أصغر شيرازي: السياسة والدولة في الجمهورية الإسلامية، دمشق، دار المدى للثقافة والنشر، 2002، ص 69.

[6]  - محمد صادق الحسيني: صنع القرار في إيران وتركيبة النظام الإسلامي، مجلة شؤون الأوسط، العدد 54، آب 1996، ص 15.

[7]  - نيفين مسعد: صنع القرار في إيران، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002، ص 71.

[8]  - الأصغر شيرازي: المرجع السابق، ص 11.
الحركات الإسلامية والإصلاح السياسي

حَنيفًا مُسْلِمًا



تقييم الموضوع

( 1 )    الكاتب : أبو فراس السليماني
  بتاريخ : السبت, 27/12/2014 الساعة 08:55 صباحا
جزاكم الله خيرا




الرسائل أو المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في الشبكة الإسلامية العربية الحرة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للشبكة الإسلامية العربية الحرة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط

تفعيل العضوية البحث عن الموقع اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة للشبكة الاسلامية العربية الحرة