هل عادوا بِخُفَّي حُنين ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد :

فقد ردَّ الله الذين كفروا من المجوس بغيظهم لم ينالوا خيراً , وأركس الذين ظاهروهم , ممن ملأت العمالة قلوبهم , أو ممن نظروا إلى مصالحهم الخاصة , وقدَّموها على المصالح العامة , أو ممن رأوا في هذا الظرف فرصة لتصفية الحسابات , أو ممن لا يدرك مآلات الفتنة والفوضى , أو ممن يدارون بغباء من جهات مشبوهة , أو ممن هو محسوب على هذه البلاد , ولكنه في التبعية والولاء منقاد لأهل الضلالة والشرك , من الرافضة أو غيرهم من أهل الملل الفاسدة , والنحل الخبيثة .

لقد حفظ في الأمثال " رجع بخفي حنين " , وقصة هذا المثل : أن إسكافياً يدعى حنيناً جاءه أعرابي فساومة على خفين من صنعه فاختلفا , وقد أغاظ الأعرابي حنيناً , فأراد حنين أن ينتقم منه , فاحتال عليه وأخذ أحد الخفين وطرحه في الطريق , ثم ألقى الآخر في مكان آخر , فلما مر الأعرابي بأحدهما قال ما أشبهه بخف حنين ولو كان معه الآخر لأخذته , ثم مشى فوجد الآخر , فترك حماره وعاد ليأتي بالخف الأول , وكان حنين يكمن له فسرق الحمار . وعاد الأعرابي إلى قومه فسألوه لماذا رجعت بدون الحمار... فأجابهم لقد رجعت بخفي حنين .

لقد رأينا كيف راهن الأعداء والعملاء والضعفاء على ثورة حنين , وكيف أن الله أبطل كيدهم , وخيَّب مسعاهم , فلم ينالوا خيراً , بل ولم يرجعوا من حنين ولو بخفَّين مرقَّعين , وإنما رجعوا بالخيبة والهوان , وأثبت أبناء هذا البلد أنهم أهل حكمة وعقل , وأن استجابتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم , وأنهم لايساومون على مصالح أمتهم وبلدهم , وأن أي إملاءات من قبل الأعداء والعملاء لن تزيدهم إلا تلاحما وترابطاً , وذلك لأنهم يدركون بجلاء أن تلك الإملاءات أو المناشدات الخارجية , ومهما كانت صيغتها , ومهما حاول دعاتها تزييفها بزخرف القول , فإنها لن تكون إلا للكيد لمجتمعنا في عقيدته وأمنه وأخلاقه , ولهذا فهم مهما عانوا من مصاعب ومتاعب فلن يقبلوا أن تكون ثمرة تحقيق مطالبهم الخاصة , أو زوال متاعبهم ومصاعبهم , ضياع أمنهم وأخلاقهم , وتدنيس عقيدتهم , وتمزيق لحمتهم , والعبث بمقدساتهم .

لقد أثبت أبناء هذا المجتمع - بتوفيق الله - أنهم أهل الوفاء حقيقة , وأنهم أهل لك تشريف وتكريم , وأن الرهان على مخادعتهم رهان خاسر , حيث قام العلماء والدعاة والأغيار بما يؤكد صدق معدنهم , وصفاء سريرتهم , وأن ماكان يقوله عنهم خصومهم , من بغال الليبرالية وغيرهم , هو من قالة السوء , والتحريش الفاجر , والكذب البيِّن , وأن ماكانوا يصفونهم به من التهييج والفتنة والإرهاب , وبأنهم من دعاة الفوضى , لا يعدوا أن يكون تلفيقات وتضليلات , وأن هؤلاء المُفترى عليهم , من العلماء والدعاة والأغيار , هم من ساهم بفضل الله في تجسير الصلة , وردم الهوَّة , وقطع الطريق على المتربصين , وذلك عبر الفتاوى , والمحاضرات , والخطب , والبيانات , واللقاءات , والرسائل , وفي مواقع الشبكة العنكبوتية , وفي كل مناسبة خاصة أو عامة , في وقت انشغل فيه بغال الليبرالية في نشر خزيهم في معرض الكتاب , وملاحقة التافهين والتافهات , وفي تزييف الحقائق , وتضخيم العمل الاحتسابي , وتجريم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وحبك المؤامرات لمحاولة تأزيم المجتمع , وزيادة الاحتقان فيه , والطعن في ثوابت الأمة , وغير ذلك من الفجور , الذي لايجيده غيرهم , ومن شارك منهم في لقاء أو مقال أو حوار فإنما يصوغ مشاركته بأسلوب فلسفي سفسطي ركيك , أو بطريقة مخادعة حرباوية , لايخرج منها المتلقي بحق , أو هي إلى الباطل أقرب , ومنهم من أحال مساهمته إلى نقد بعض المواقف الشاذة , التي خالفت السائد والعام , مما صدر عن بعض المتحمسين من المحسوبين على أهل الخير , وذلك لمحاولة طمس دور الأغلبية الساحقة من العلماء والدعاة .

كما أثبت أبناء هذا المجتمع – بفضل الله - أنهم ليسوا كما يراد لهم من خصومهم , وذلك من خلال وصفهم بجيل الفيس بوك وتويتر , وذلك باستفادتهم من هذه التقنيات , وتمييزهم بين غثِّها وسمينها , ووقوفهم عند رأي عقلاء أمتهم , وخذلانهم لسفهاء وغوغائي الأمة , بل بلغت فطنتهم في معرفة مكائد السفهاء , إلى أن فوَّتوا عليهم فرصة إثارة الفتنة في محل لهوهم وعبثهم , وذلك من خلال عدم الالتفات لمناشدة السفهاء باستغلال أوقات المباريات للتظاهر والفوضى , بل وأثبتوا أن ما يدَّعيه بعض ذوي الكيد , من أن هؤلاء الشباب قد تجاوزا العلماء والدعاة , وأن خطابهم لم يعد يستهويهم , إنما هو من المغالطة , وأنهم – الشباب – يعرفون قدر العلماء والدعاة , ويرون أنهم أنصح لهم , وأبرُّ بهم , ممن يريدهم معاول هدم , أو وقودا لفتنة وشر .

وأما أهل الرهان الخاسر , من المجوس وأضرابهم , أو من وضع يده بأيديهم , فإني أقول لهم : لامقام لكم فارجعوا , وابحثوا بعد هذا الفشل الذريع بفضل الله عن مرتزقة آخرين لتراهنوا عليهم , وتأكدوا أن من أفنيتم جهدكم معه , وظننتم أنه سيقوم ببعض ما تأملون , لاقيمة له بين أبناء مجتمعنا الأبي , بل إن أغلب من يستمع إليه , إنما يأخذه للتسلية والعبثية والضحك , وإلا فلو حمي الوطيس , فإنه لا يعدوا أن يكون صفراً على شمال الشمال , فطيبوا به نفساً , إن كنتم ترون فاعليته وتأثيره , أو انتعلوا غيره إن كانت بقيت عندكم مسكة من دهاء , أو رغبة في محاولة الكيد , لكن تأكدوا أن فرسان الحق لكم بالمرصاد بحول الله ومنته .

وأقول للبالوني وغيره من أوزاغ الفتنة , ممن هم كالطفيليات , لاتنشط إلا في المستنقعات , لقد أدركتم حجمكم الحقيقي , وبلغتكم رسالة المجتمع بوضوح , وإن كان بزعمكم أنه يكفيكم نجاحاً إخراج هذه الفرق العسكرية المتأهبة , فهذا غاية السفه والحمق , بل هو أكبر دليل على جاهزية الدولة ويقظتها , وأن الحكمة تقتضي أخذا الأمور بمأخذ الجد والحزم , حتى لا تُسوِّل للضعيف نفسه , أو يُعتدى على الحقوق المصونة .

كما أقول له : فكِّر وقد أفنيت مرحلة من عمرك في التهريج , حتى صار لايكاد يتغلَّب عليك إلا القذافي , في كثرة التناقضات والتلفيق , أن تغيِّر اتجاه بوصلتك , وألا يكون القذافي أدهى منك باستجلاب المرتزقة لتدمير بلده , ولهذا فإني أقترح عليك أن تتجه إلى المعارضة في الصين أو الهند أو بنجلاديش مثلاً , ولأن فيها من الأعداد المهولة , ماقد يشبع نهمك في الخلافة , وأن تلقَّب بينهم بـ " الخليفة هاتف العملة الحاكم بأمر من يدفع أكثرأبي عثمان البالوني " , وذلك لتلج موسوعة غينيس كصاحب أطول لقب رئيس عصابة , بعد أن تتغلب عن الراعي الرسمي لحركتك العقيد القائد الفاتح الزعيم معمر القذافي , أما أن تفني عمرك في مناشدة واستجداء من لايراك إلا نكرة , فإن هذا قد يُعرِّضك لمتاعب نفسية تحول بينك وبين مواصلة طريقك , مما سيحرم من يستمع إليك من مهرِّج كان يقضي معه أوقات فراغه , وإن أردت أن تعرف أيها البالوني حجمك , وترى مدى تأثيرك في الناس , فعليك أن تعي أن من تأهَّب لوأد فتنتك الناس قبل رجال الأمن , وهم من بادر بتسفيه وتحقير الفوضويين , وذلك قبل أن تمتد إليهم أذرع رجال الأمن , وهذا حقيقة ماثلة , وواقع يشاهده الناس , ولا يحول دون وضوحه ما تزعمه من أن هؤلاء رجال أمن متخفُّون بثياب مدنية , فإن أبيت إلا ذلك , فعليك أن تعي هذه الرسالة المختصرة بوضوح : " لقد أثبت أبناء المجتمع كلهم بفضل الله أنهم رجال أمن , فلتشرق أنت ومن خلفك بأرياقكم , ولترغم آنافكم ".

هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

وكتبه

سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش

أبومالك

7 / 4 / 1432هـ